Friday, March 5, 2021

التعبئة ‏العامة ‏



التعبئة العامة  

بِسْم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيد المرسلين سيدنا محمد واله وصحبه وَأَزْوَاجِهِ وخلفائه والتابعين له ليوم الدين، 
اخواني وكل من يهمه الامر 
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وبعد      

 التعبئة العامة (بالإنجليزية: General Mobilization)‏ مصطلح عسكري هدفه تحويل القوات المسلحة الوطنية إلى حالة الحرب أو شبه الحرب وإعادة بناء اقتصاد الدولة ومؤسساتها وقدراتها ومواردها المادية والبشرية وقوانينها لتوفير حاجات حرب طويلة الأمد وتحقيق أهدافها.نرى ذالك واضحا خلال الحرب العالمية الثانية عندما عمدت الحكومة الامريكية واعتقد عددا من حكومات الدول الغربية الى (مثال) تحويل انتاج مصانعهم من الانتاج المدني(سيارات و غسالات وغيرها) الى الانتاج الحربي(دبابات وبنادق وذخيرة). السؤال هو: هل يمكن ان نستعمل هذا النهج في تحديات غير عسكرية وبالأخص اقتصادية؟ بمعني اخر هل نستطيع القول ان التعبئة العامة الاقتصادية هو النهوض بالاقتصاد الوطني عن طريق اعادة بناء او تحديث الدولة ومؤسساتها وقدراتها ومواردها المادية والبشرية وقوانينها لخدمة النهوض الاقتصادي ؟.  

اخواني، الوضع الإقليمي والعالمي السياسي والاقتصادي يتطلب منا الاردنيين حكومة وشعبا ان نفكر بهذا المصطلح(التعبئة العامة) وان نعمل جاهدين على تطبيقية للنهوض بالاقتصاد الوطني. للاسف نهج الحكومات السابقة بما فيها الحالية فقدت بوصلتها بأصول وأبجديات اعادة بناء او النهوض بالاقتصاد، وقد يكون ذالك نتيجة ضغوط او هروب من المواجهة. النهج الحكومي الذي يعتمد على "الترقيع" اكثر من إيجاد الحلول يكون نتيجته الأضرار بالاقتصاد الوطني . اي حكومة تسعى جادة لاعادة بناء اقتصاد يجب عليها ان تعمل على ثلاث محاور رئيسية بنفس الوقت وتسخيرها لخدمة الاهداف المرجوة للاصلاح الاقتصادي هذه المحاور هي 
اولا: المؤسسات (حكومية وخاصة).  
ثانيا: الموارد الطبيعية والمالية والبشرية.  
ثالثا: القوانين المعمول بها سواء كانت اجتماعية او اقتصادية. 
اعود واكرر يجب العمل على هذه المحاور بنفس الوقت. 

اخواني، المؤسسات الحكومية في الاردن مؤسسات اصابها الترهل الاداري نتيجة المحسوبية والفساد. الامثلة كثيرة على ذالك فهناك عدد من الوزراء والوزارات التي لا عمل لها(تقريبا) نتيجة خفض ميزانياتها لدرجة كبيرة ومع ذالك لا يزال المسؤولين يستنزفون مبالغ طائلة من الخزينة بشكل رواتب، وهناك ما يُسمى الهيئات الخاصة المستقلة التي استعملتهم الشركات الخاصة لإشباع جشعهم على حساب الوطن والمواطن، للاسف الاردن يملك فائض من الامثال الواقعية التي تدل على الفساد والمحسوبية، والنتيجة العامة هي استنزاف الخزينة برواتب فلكية للبعض بدون انتاج يُذكر ونتيجته فقدان موارد الدولة الطبيعية. للاسف ثقافة المحسوبية والفساد في الدوائر الحكومية اصبحت ثقافة مسيطرة، ولن يتم التخلص منها الا بتغليظ العقوبات ووجود مجلس تشريعي محزب قوي يستطيع دستوريا وقانونيا مساءلة الحكومة ومؤسساته وأفراده.      
المؤسسات الخاصة في العرف الاقتصادي العالمي وجدت لخدمة الاقتصاد الوطني عن طريق تشارك مباشر او غير مباشر مع الحكومة لرفع وتحسين مؤشرات الاقتصاد وبالتالي الاقتصاد القومي. للاسف المؤسسات (الشركات) الخاصة العاملة في الاردن عقبة في طريق الاصلاح الاقتصادي خصوصا مؤسسات البنية التحية مثل الإنشاءات والاتصالات والطاقة وغيرها. نرى بوضوح تغول هذه الشركات على الحكومات والمواطنين بفضل القوانين المعمول بها حاليا والتي توفر لهم الحماية القانونية. وقد ذكرت ذالك في اوراق سابقة على مدونتي الخاصة.  

اخواني، ثاني المحاور هو استخدام الموارد الطبيعية والمالية والبشرية لخدمة النهوض بالاقتصاد او اعادة بناءه. للاسف مواردنا الطبيعية سُرقت بمباركة الحكومات السابقة وموافقة مجالس النوام السابقين تحت بند "الاستثمار"، والقوانين المعمول بها حاليا تُجرَّم الحكومة من مساءلة المسؤولين عن هذا الفساد الواضح (عوامل تراكمية كما تطلق عليها الحكومة الحالية) ومحاكمتهم واسترداد الاموال المغتصبة. اما الموارد المالية(ضريبية و غير ضريبية) التى تدخل الخزينة سنويا،فبعض هذه الاموال تخصص "للاستثمار" الحكومي في ميزانيات الحكومات بما فيها هذه الحكومة، وللاسف وضعت لخدمة الفاسدين تحت شعار "الاستثمار" ومن أمثلة ذالك ما ذكره الدكتور قطامين قبل أعوام على احد الفيديوهات عن (التشجير) في عهد حكومة الملقي. اما بالنسبة للموارد البشرية الاردنية فللأسف قد هُمِّشت بعد وفاة المغفور له، باْذن الله، جلالة الملك الحسين بن طلال رحمه الله صاحب المقولة الخالدة "الانسان أغلى ما نملك". اخواني،اثر الفساد والمحسوبية ظاهر وله نتائج مباشرة(سرقات) ونتائج غير مباشرة مثل الكم الهائل بإعداد العقول والخبرات العلمية والمهنية الاردنية المهاجرة نتيجة استحواذ الفاسدين وذرياتهم وأقربائهم ومعارفهم ليس فقط للوظائف القيادية والعلمية بل للمشاريع المفيدة للوطن واقتصاده. هذا المحور ساسلط عليه الضوء في ورقة اخرى قادمة ان شاء الله وذالك لاهميته العظمي في إنعاش الاقتصاد الوطني. 

احبائي، المحور الثالث وهو تسخير القوانين لخدمة التعبئة العامة الاقتصادية. تحدثت عنها بإسهاب في اوراق سابقة على مدونتي الخاصة. قد اشرت بالسابق اني تفاءلت كثيرا بمنح الثقة الملكية لخبير قانوني برئاسة الحكومة، واعتبرته شخصيا انه مؤشر لاعادة دراسة القوانين التي وضعت خلال العقدين السابقين التي تعمل على  توفير الغطاء القانوني للفساد والفاسدين. للاسف بعد مرور اكثر من مائة يوم على عمل الحكومة الحالية لم ارى شخصيا ان عمل جاد من قبل الحكومة للمواجهة وقد كتبت سابقا للمجلس الديكوري الحالي بحجب الثقة عن هذه الحكومة ولكن للاسف فالمجلس الحالي ما هو الا مجلس شكلي لا فائدة له فقد أعطى الحكومة الثقة للحكومة وقبل ايام وافق على ميزانية الترقيع (الميزانية العامة). . وأتساءل هل كان ممن الممكن في حالة وجود مجلس تشريعي محزب ان تأخذ هذه الحكومة الثقة او إقرار الميزانية العامة؟ بالطبع جوابي سيكون "لا"، لذالك عمدت الحكومات السابقة بما فيها الحالية الى قوانين انتخاب تحظر وصول احزاب قوية تحت القبة. الفاسدين في الحكومات السابقة والمسؤولين المباشرين على وضع الاقتصاد القومي الحالي لا زالوا متمكنين فى هذه الحكومة(تشريعية وتنفيذية) ولا ولن يكون هناك اي اصلاح في اي مجال بوجود هؤلاء الخونة لله عز وجل اولا واخيرا ثم الوطن والمواطن والملك. اما بالنسبة للبلطجية (الذراع العسكري لهؤلاء الفاسدين)  فلا زالت الحكومة وقوانينها توفر لهم الحماية و تعطيهم "الحقوق القانونية" على حساب حماية المواطن الاردني وحقوقه في العيش الحر والشريف. 

اخواني، المعروف دوليا وقانونيا ان المؤسسة المنتخبة لها قوة سياسية و حصانة اكبر من المؤسسة الغير منتخبة(عن طريق التعيين)،في امريكا مثلا تعيين اي مسؤول يجب ان يحظى بموافقة أغلبية مجالس التشريع المنتخبة. للاسف في الاردن نرى التغول الحكومي (غير منتخب) على مؤسسات الشعب المنتخبة واضحة باستخدام قوانين وضعية لخدمة الفساد واذنابه. والأمثلة واضحة بما الت اليه نقابة المعلمين ومسؤوليه المنتخبين دستوريا وقانونيا. ونرى ايضا الجهود الحثيثة التي تعمل عليها الحكومة لحل احد الاحزاب الاردنية الحالية بحجج واهيه. المضحك المبكي ان المحسوبية والفساد واضح في الكثير من الوزارات والمؤسسات الحكومية (المعيٓنة) السابقة والحالية ومع ذالك لا تلجأ الحكومة الى حل تلك المؤسسات او محاسبة مسؤوليها، اين العقل والمنطق يا حكومة؟.  وما زالت هذه الحكومة التي يرأسها "الخبير القانوني" تتغني بالجملة التي شخصيا اعتبرها أصل البلاء "نحن دولة قانون". واقول لكم يا حكومة اذا كُنتُم دولة قانون بقوانين خُطت بايدي الفاسدين واذنابهم لحمايتهم  فان المواطن الاردني ومؤسساته الشريفة الحرة المنتخبة  تقول وبصوت عالي نحن دولة دستور،وكل قانون يتعدي على المواطن وحريته الاجتماعية والسياسية وعيشه الشريف وأمنه يعتبر لاغي دستوريا.     

اخواني، الحكومة الحالية تعلم ان سبب ركود ان لم يكن تدهور الاقتصاد الوطني سببه اشخاص لا يزالون في مواقع المسؤولية او لا يزال لهم اذناب في الحكومة. الاقتصاد الوطني الاردني لن يتعافى في وجود هؤلاء الخونة، وعلى الحكومة العمل بجدية وإيجاد الوسائل القانونية لمساءلتهم ومحاسبتهم واسترداد الاموال المغتصبة. الحكومة الحالية تعلم كما يعلم كل من يملك عقل و منطق ان النهج الحكومي الحالي ما هو الا "ترقيع" لا فائدة له على المدى المتوسط والطويل. رئيس الحكومة الحالي "خبير" القانون يعلم بان القوانين الحالية توفر للفاسدين والخونة المظلة القانونية لحمايتهم وعدم مساءلتهم قانونيا ومع ذالك لا اجده يحرك ساكنا ولا اجد عذرا له بعدم  العمل الجاد لما اُوكل اليه.  اخواني، "الضغوط" او "الجبن" من المواجه ليست اعذار مقبولة للقيام باداء الأمانة التي أوكلت اليهم والتي يدفع ثمنها يوميا المواطن الاردني. اخواني، الحكومة الحالية ايضا تعلم انها تهمش المواطن الاردني وحريته الشخصية والسياسية بالتعرض له شخصيا بناء على معتقداته السياسية او مؤسساته السياسية والاجتماعية مثل النقابات والأحزاب. الحكومة تعلم انه لا اصلاح اقتصادي بدون اصلاح سياسي. الذي لا أقبله عقليا وعلميا ومنطقيا ان حملة شهادات العليا في القانون والاقتصاد والسياسة  في الحكومة لا يعلمون ان بناء اقتصاد يجب ان يبدأ باجتثاث الفاسدين والغاء وتعديل القوانين التي تحمي الفساد والفاسدين. لذالك أوجه رسالة اخرى للحكومة الاردنية وأعضاءها والمسؤولين ( step up or step down ).   

اخواني، يجب على الحكومة الاردنية الحالية اعلان التعبئة العامة الاقتصادية والعمل على المحاور الثلاث السابق ذكرها بنفس الوقت لإنقاذ المواطن الاردني واقتصاده. ولا أجدني في نهاية هذه الورقة سوى الدعاء لكل مسؤول بان يزيل الله عز وجل غشاوة عينيه وقلبه، ويهديه، وان يمده بالقوة اللازمة لمواجهة الخونة والفاسدين واذنابهم. اللهم وفقهم لما هو خير لهم ومواطنيهم وبلدهم ومليكهم، اللهم احفظ الاردن ومن على ترابها بحفظك الكريم وجميع دول العالم. اللهم احفظ جلالة الملك عبدالله بن الحسين ووفر له البطانة الصالحة وان اخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين.