الديموقراطية والحكومة، الصحافة، الشعب، والتعتيم الإعلامي
بِسْم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، سيدنا محمد واله وصحبه وَأَزْوَاجِهِ والتابعين له ليوم الدين.
احبائي، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد
اطالع اخبار الوطن عن بعد، والجميع منذ سنوات سواء كان بالحكومة او القطاع الخاص او الشعب يتحدث بالمفردات التي أوردتها بالعنوان. وأصبح عندي يقين كامل ان معظم الشعب الاردني بما فيها الحكومة اما انهم لا يعلمون بالتعريف الحقيقي لهذه المفردات او انهم يعلمون التعريف ولا يؤمنون به. فالإيمان شيئ و المعرفة شيئ اخر. شخصيا اعرف،على سبيل المثال، ان الزنا عدا انه حرام له عواقب وخيمة، المؤمن بشكل عام او على الاقل المؤمن بهذه القاعدة لن يقرب الزنا وذالك لإيمانه بهذه القاعدة على الاقل. ايضا الطبيب مثلا يعلم ان هناك خيارات طبية كثيرة لمعالجة عارض معين او حالة معينة، الا انه يصف للمريض العلاج الذي يؤمن ان له نتائج جيدة فى معالجة تلك الحالة.
اخواني، قناعتي الشخصية انه قد تكون هناك نسبة بسيطة من المواطنين الاردنيين بما فيهم بعض موظفين الحكومة ممن لا يعلم عن الحقوق والواجبات او هذه المفردات، ولكني للاسف مقتنع ان الأغلبية لا تؤمن بهذه المفردات وغيرها. نعم اخواني، رائي الشخصي للاسف نحن شعب نعرف الكثير ولا نؤمن الا باقل من القليل. السؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا؟ وتجد الجواب عند كل المواطنين وهو ببساطة: الحكومة سواء كانت معينة او منتخبة.
أشارك اخواني المواطنين في هذه الإجابة مع تعديل بسيط وهو ان هناك أسباب عديدة لعدم إيمان المواطنين بالديموقراطية المزعومة التي تتغنى بها الحكومة او المفردات الوارد ذكرها وغيرها مثل الشفافية، الا ان السبب الرئيسي هو بلا شك هو الحكومة وقراراتها اللامسؤولة. لنأخذ مثلا التعتيم الإعلامي سواء كان ذالك بقرار حكومي رسمي او امر شفوي من الحكومة للإعلام والصحافة. لماذا التعتيم الإعلامي لقضايا تهم جميع المواطنين؟ وكيف تتغنى الحكومة بالديموقراطية وبنفس الوقت تتفنن في إصدار التعتيم الإعلامي لقضايا مصيرية تهم المواطنين وعيشهم الكريم؟ ولمصلحة من يتم هذا التعتيم الإعلامي؟ سمعت كما سمع المواطنين الاردنيين عن لجان عدة وضعت لتقصي الحقائق عن بعض الجرائم في الاردن، اذكر منها ولا أحصرها بفاجعة البحر الميت، رداءة البنية التحتية مثل الجسور والصرف الصحي والطرق، سلب المال العام عن طريق الخصخصة مثل الطاقة والمواد الاردنية. كمواطن اردني لا علم لي بما آلت له التحقيقات في هذه الجرائم.
طبعا لم أنسى قضية الدخان، ماذا حصل لذالك النشمي الذي عمل مصمم جرافيك (Graphic designer ) ام انه يجب علينا ان ننساه لان الحكومة أصدرت أمرا بمنع تداول اخبار عن قضية الدخان؟ هل هناك اي اخبار جديدة عن هذه القضية ام ان هذه القضية لا تزال في دهاليز الحكومة والقضاء؟ وهل منع تداول اخبار هذه القضية تفيد القضية نفسها ام انها تتستر على العديد من المسؤولين المتورطين السابقين والحاليين؟ قلت سابقا أني لست رجل قانون، واعلم ان هناك بعض الحالات القليلة التي يجب التستر عليها لضمان نزاهة العدالة. المثقفين الاردنيين بما فيهم القانونيين يعلمون انه اذا أردت التعتيم على اي قضية فالافضل ان تحيلها لمحكمة امن الدولة وليس للمحاكم المدنية، لان التحقيقات بهذا الموضوع يكون مغلف بالسرية وما يدور خلف الكواليس في هذه المحكمة يفسر بانه قد يمس بالامن القومي وبالتالي يمنع الحديث به.
كمواطن اردني ذو علم قليل وخبرة بسيطة لا ارى هناك داعي لهذا التكتم الإعلامي على هذه القضايا، وأتسائل فى نفسي هل يمكن ان تحقق الديموقراطية في ظل التعتيم الإعلامي وتكميم الأفواه؟ الحكومة تدعي التكتيم الإعلامي هو حفاظا على سمعة المسؤولين وما يسمى بالنخبة من رجال الاعمال، ووضع حد للاشاعات. هذا التبرير غير منطقي او مقنع او كما يقول الامريكان ( does not hold water) وذالك لاسباب ذكرها الكثير من الحقوقيين الاردنيين. رائي الشخصي،كما كتبت سابقا مرات عديدة، انها محاولة للتستر على الفاسدين. وأتسائل : ما هو دور وزارة العدل الاردنية في هذه المواضيع؟ وبشكل عام هل وظيفة الوزارات المختلفة وولائها هو للوطن والمواطن او هو للحكومة وأعضائها؟
الحكومة دائما تتحدث عن محاربة الفساد، وانا على يقين ان اصغر موظف في الحكومة مقتنع تماما ان قضية الدخان (مثلا) اكبر بكثير من الأشخاص التي أفصحت عنهم الحكومة، بل قد تطال مسؤولين كُثر سابقين او جالسين. وتصرح الحكومة دائما (أعطوني دليل) وعليه الذى ليس عنده دليل يمسك عليه لسانه والا مصيره السجن. هل وظيفة المواطن هي التحري عن الفاسدين ام انها وظيفة الحكومة؟ اصبح الفاسدين الاردنيين و المقيمين من غير الاردنيين في مأمن من أيدي القضاء بعد ان فصلو الديموقراطية بالقوانين لتناسبهم وجشعهم وتكن على مقاسهم. واذا صار الوضع الى تحقيق فانه يكون شكلي فقط لذر الرماد في العيون، لدرجة ان احد المسؤولين يصرح قبل اشهر قليلة على التلفزيون انه لا يملك شيئ، بل هو مدان للبنوك بملايين الدنانير، وان ثروة ابنه في احد الدول الغربية كانت نتاج جهده وعمله. هل يُعقل ان يقرض بنك اي شخص كان فلس واحد بدون ضمانات؟ كيف ومتى ولماذا اُقرض هذا المسؤول هذا ألكم الهائل من الاموال بغير ضمانات؟ الديموقراطية الحقة ستطيح برأس ذالك المسؤول وبالبنك والقائمين عليه. أعاود السؤال: اين وزارة العدل من ذالك كله؟ بالطبع سيكون جواب الحكومة بكلمات او اخرى ان: مهمة وزارة العدل تبدأ وتنتهي امام مقعد (bench) القضاء بناء على نتائج التحقيقات والقوانين التي تحت أيدهم. طبعا من سن معظم هذه القوانين مجالس النوام السابقين والحاليين. وللعلم فقط هذا التبرير مسجل في التاريخ لقاضي أمريكي اسمه أوليفر هولمز (على ما اعتقد) عندما اجاب احد المتهمين ( this is a court of law, young man, not a court of justice ) (هذه محكمة قوانين، يا شاب، ليست محكمة عدل). لذالك فانا اقترح على الحكومة الحالية (التي غيرت اسماء وزارات عديدة ) ان تغير اسم وزارة العدل الى (وزارة تطبيق القوانين). على الاقل سيسجل التاريخ لهذه الحكومة انها صدقت في امر واحد على الاقل.
احبائي، قبل أسابيع قليلة طالعتني احد الصحف الاردنية بمصادقة مجلس النواب على قوانين خاصة بالقضاء واستقلاليته. والله ثم والله ثم والله أني عندما اسمع ان النواب وقعوا او اصدروا قرارات مهما كان موضوعها احسن ان قلبي يسقط بين قدمي، وأتسائل : هل بقي شيئ في الوطن لم يباع ولم يوقع عليه مجالس النوام؟ بلا شك إستقلالية القضاء احد أعمدة الديموقراطية، ولقد حث عليها جلالة الملك عبدالله حفظه الله مرار وخصوصا في الأوراق النقاشية، ولكن هل هذا فعلا وحصرا ما وقع عليه مجلس النوام الحالي؟ وما هو رائ الخبراء الاردنيين القانونيين او نقابة المحامين؟
احبائي، في النهاية، اشهد الله وأشهدكم أني احاول او حاولت مرارا ان آتشبه بالنعامة وادفن راسي بالتراب واشغل نفسي عن الحديث في الأوضاع الاردنية في جميع المجالات، وباءت جميع تلك المحاولات بالفشل وذالك لاسباب عدة، السبب الرئيسي هو المخافة من كتمان علم علمينه الله عز وجل، وأحيانا يكون سببه الشعور بالانتماء، او تكون مقالة او معلومة اثارت حفيظتي، او قد تكون بعد مُشاهدتي احد الخبراء الاردنيين الوطنيين، أحسبه على خير ولا ازكيه على الله عز وجل، يتحدث عن الوضع الاقتصادي في الاردن وخلال حديثة تراه يزفر بشدة من القهر الواضح التي خلقته الحكومة ليس فقط في صدر هذا الخبير انما في صدور معظم الاردنيين، وفي نهاية هذا البرنامج يختمه المقدم بكلمات او اخرى (اعتذر ان الوقت داهمنا) ويرد الخبير (احسن ما يداهمنا شيئ اخر) . لهذه الأسباب وغيرها أراني لا شعوريا ارفع راسي من الرمل واكتب عما يدور في نفسي.
قال تعالى " انما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة ومن تزكى فانما يتزكى لنفسه والى الله المصير " (فاطر 18). اللهم انها خالصة لوجهك الكريم، اللهم أني قد بلغت اللهم فاشهد.
اللهم احفظ الاردن ومن عليها، واحفظ قيادتنا وانر بصيرة حكومتنا لما فيه خير للمواطن والوطن. واشغل المغرضين فى انفسهم واجعل كيدهم في نحورهم، اللهم امين.