الواسطة والشرف الوظيفي في امريكا والاردن
بِسْم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيد المرسلين سيدنا محمد واله وصحبه وَأَزْوَاجِهِ وخلفائه والتابعين له ليوم الدين
اخواني والسادة مسؤولين الحكومة وكل من يهمه الامر، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وبعد
من يعتقد ان الفساد والمحسوبية لا توجد في الولايات المتحدة الامريكية فهو خاطئ. الفساد والمحسوبية موجود في كل مكان بالعالم،الفرق الوحيد بين الدول هو التستر على هذه الظاهرة او إيجاد مبرر لذالك الجرم او تقديمهم للمحاكمة.
اخواني،المحسوبية في امريكا دارجة في المجتمع الامريكي،فترى المسؤول الحكومي مثل موظف كبير او سيناتور او عضو في مجلس الشيوخ يتواسط لناخبيه او معارفه او أقرباءه في احد الكليات العسكرية (مثلا)او وظائف حكومية او قيادية . وقد تجد بعض ممثلين هوليود والمغنيين ولاعبين الرياضة يتواسطون ايضا لابنائهم ومعارفهم في الجامعات الامريكية او وظائف حكومية قيادية. الملاحظ في الامر ان الواسطة تكون اقل بكثير في الشركات المساهمة اوالخاصة الامريكية، فقد يتوسط احد الموظفين في شركة خاصة لاحد أصدقاءه ايام الدراسة الجامعية خصوصا اذا كانوا الاثنين أعضاء في احد الجمعيات (Fraternity )خلال فترة الدراسة .
اخواني،كما اسلفت فان المحسوبية او الواسطة موجودة في جميع الدول الا انه في امريكا مثلا فالمحسوبية لها حد واضح لا يمكن تجاوزه. الحد هنا في امريكا يقف عند مسؤول الدائرة الحكومية او العسكرية او عميد شؤون الطلبة في الجامعات، بحيث يجب على المتقدم ان يخضع لفحوصات معينة سواء كانت علمية او ذهنية او بدنية كما يتطلبه المجال الوظيفي. هذه الفحوص تكون دقيقة وتحدد أهلية الشخص لتلك الوظيفة ولا يمكن التلاعب بها حتى باكبر واسطة بالبلد،هذه النتائج والتقيد بها هي مسؤولية مسؤول الدائرة وتتحكم به وبقراراته مبادئ يلتزم بها المسؤول احداها ما يُعرف ب "الشرف الوظيفي".
اخواني،الشرف الوظيفي هنا في امريكا مهم جدا لان نتائجه تعطي صورة واضحة عن الدائرة وانتاجيتها وهذا ينعكس على مدير الدائرة او القسم نفسه. لذالك نجد عند حدوث خلل في تلك الدائرة او القسم او الوزارة من حيث الإنتاجية او الترهل الاداري (طبعا في الغرب والدول المتقدمة ) نجد ان اول من يُفصَّل عن العمل او يُجبر على تقديم استقالته هو المسؤول الاول سواء كان وزير او مسؤول دائرة. هذا كله لا يعني ان امريكا او الدول الغربية عبارة عن مسؤولين من جنس (الملائكة) وليسوا من جنس البشر، فالفساد موجود ولكن اذا تم اكتشاف ذالك فان القوانين صارمة جدا وتطبق على الكبير والصغير. احد الأمثلة قبل سنة او اكثر تم محاكمة وحبس وتغريم احد ممثلات هوليود وزوجها(على ما اذكر) لتلاعبهم بوثائق او نتائج الفحوص لابنتهم المتقدمة لاحد الجامعات.
اخواني، الشرف الوظيفي ليس شعار يتجمل به المسؤولين، بل هو نهج عمل يحتذي ويعمل به المسؤول لصالح دائرته بشكل خاص ووطنه بشكل عام وينعكس ذالك عليه شخصيا،وفي معظم الأحيان لا تستطيع الواسطة تجاوز هذا النهج او الحد. في الاردن عندنا ،للاسف، وفي معظم الأحيان الواسطة قد تعمل المستحيلات. فالوساطة عندنا للاسف قد تكون السبب في إعطاء حقيبة وزارية لشخص غير مؤهل من حيث مجال التخصص او الخبرة ويظهر بعد اشهر على احد المحطات التلفزيونية ويصرح بما معناه "ما في حلول". لا اقصد ابدا الدرجة الجامعية لذالك المسؤول انما اقصد مجال التعليم والتخصص والخبرة في ذالك المجال. فلا يزال عندي إيمان ان وضع الرجل المناسب في المكان المناسب اهم من درجته الجامعية (كما في الرابط أسفل). من يتحمل مسؤولية عمل او إنتاجية هذا المسؤول؟ من كانت واسطته (اذا كانت هناك واسطة لتعينه في ذالك المنصب)؟ للاسف، عندنا ايضا عندما لا توجد شواغر قيادية حكومية لابناء "النخبة" تسارع الحكومة على انشاء هيئات خاصة وتقوم بتفصيل واجبات ومهمات تلك الهيئة لتلائم او (على مقاس) ذالك المواطن"من الدرجة الاولى". او يتم تعيين احد الأبناء من الدرجة الاولى في احد الوظائف الحكومية بناء على ورقة قدمها احد النواب"الشيوخ" الى الحكومة والتي قد تكون نظير منح الثقة للحكومة او نظير "احفظي هاللطش يا حكومة". او تتوسط الحكومة او احد أفرادها والمسؤولين لتعيين زوجة احد الأبناء من الدرجة الاولى لوظيفة كبيرة في احد هيئات المساعدات الدولية ويتحججون بكل وقاحة وتحدي بان راتبها لا تصدر من الخزينة بل من تلك الهيئة الدولية المانحة،وطبعا هذه الرواتب تحسب من ضمن المساعدات المقدمة للشعب الاردني.
اخواني،هذه الأمثلة فقط بعض المأسي التي تغلغلت في مجتمعاتنا. جلالة الملك حفظه الله شدد منذ سنوات ولا يزال يتحدث عن هذه الافات الاجتماعية والتي منها المحسوبية و عبارة "انت مش عارف مع مين بتحكي" ونتائجها السلبية على مجتمعنا الاردني. واذا لم تخني الذاكرة فان الديوان الملكي أقال احد المستشارين لجلالة الملك حفظه الله قبل سنوات لاستخدامه احد تلك العبارات التي تحمل في طياتها انقاص او قد تكون اذلال للمواطن الاخر. الوظيفة الحكومية او المسؤولية وما تحملها من مسؤوليات ومعاني وقيم مثل الشرف الوظيفي او المهني لا يعطيك الحق كمسؤول بالتعامل مع المواطنين بفوقية. ولا ان تقبل او تعين شخص لوظيفة هو غير اهلًا لها. اخواني وأهلي والمسؤولين في الحكومة، المعايير لتحديد النتائج والانتاجية للدوائر والاقسام بلا شك مهمة الا اني اعتقد ان الاهتمام يجب ان يتضمن ايضا اعادة ارساء القيم المهنية الحميدة للدوائر الحكومية وغيرها مثل الشرف الوظيفي والاخلاص في العمل والريادة. وان تكون الحكومة ومسؤوليها مثال يُحتذى به لباقي موظفين الدولة، لا ان تكون السباقة لغرس مبادئ المحسوبية والفوقية وغيرهاوتتحجج بان القوانين تسمح لها بذالك. اخواني، لكي نعيد بناء الاقتصاد في مجتمعاتنا يجب علينا ان نضع الشرف الوظيفي والمهني والشخصي والقيم الحميدة فوق كل اعتبار وننبذ الواسطة والمحسوبية والفوقية التي تعشعش في اروقة الحكومة وتتغلغل في المجتمع الاردني وقيمه الاصيلة، والله من وراء القصد.
اللهم احفظ الاردن ومن عليها بحفظك الكريم وجميع الدول ومواطنيهم. اللهم احفظ قيادتنا الهاشمية ووفر لجلالة الملك حفظه الله البطانة الصالحة. اللهم وفق حكوماتنا لما فيه خير،وان اخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
خاطرة الرجل المناسب في المكان المناسب