"وضع الرجل المناسب فى المكان المناسب"
عبارة نعلمها وللاسف قلما نستعملها. سأحاول تسليط الضوء على أهمية هذه الجملة وشرح وجهة نظر الأصوات المنادية او النهج الذي يقضي بالابتعاد عن توظيف من هم من حملة شهادة الدكتوراة فى المناصب التنفيذية سواء كانت شركات خاصة او مؤسسات حكومية، والله الموفق.
بِسْم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيد المرسلين، سيدنا محمد واله وصحبه وَأَزْوَاجِهِ وخلفائه والتابعين له ليوم الدين وبعد،
اخواني، قبل سنوات عديدة وتقريبا فى اخر أسابيع مرحلة البكالوريوس كنت اشرب القهوة فى احد مقاهي الجامعة مع احد أساتذتي أناقشه بأحد المواضيع( لا اذكر الموضوع) ولكنه فجاة سألني: ما هي مخططاتك المستقبلية؟ فسألته: تقصد الأكاديمية؟ فاجاب نعم. فأجبت: فكرت فى الموضوع ولم اتخذ قرار بعد. وفعلا لم اكن قد اتخذت قرار بذالك الوقت، فلقد كنت مشغول فى عملي الخاص (self employed) الذي كان يأخذ معظم وقتي وانتظر بفارغ الصبر الانتهاء من البكالوريوس. فقال: اذا أردت ان تبقى على عملك الذى تعمل به فأنصحك بان تدرس الماجستير او ما يعادلها فى حال توفر المصاريف الجامعية والوقت. اما اذا عملت فى شركة خاصة او حكومية فيجب ان تفكر جديا بدراسة الماجستير او ما يعادلها بعد اول يوم دوام فى ذالك العمل، وخلال الدراسة وبعدها عليك ان تأخذ دورات معينة. بعد هذه السنوات البعيدة لا زلت اتذكر هذا النقاش الجانبي والحقيقة انني لم افكر به فى ذالك الوقت او حتى ان اطيل هذا النقاش الجانبي اعتقادا منى بذالك الوقت انه يحاول التهرب من الموضوع الأساسي الذي لا اذكره الان كاملا . وطبعا السبب الذي دفع هذا الاستاذ فى إعطائي هذه النصيحة ستجدها (اخي القارئ) فى اخر مرجع أسفل هذه الورقة.
الذي نعلمة ويعلمه جميع طلاب التجارة والاقتصاد فى الجامعة ان معظم الرؤساء التنفيذيين ( CEO's ) فى الشركات الكبرى العالمية هم من حملة الماجستير او ( MBA ). فى دراسة لموقع ( study.eu )عن التحصيل العلمي لرؤساء الشركات العالمية العظمى (الرابط بالأسفل)، اختارت الدراسة شريحة تضم اكبر 2000 شركة عالمية بناء على تصنيف Forbes ونشرت هذه الدراسة بتاريخ (December 19,2017) وكانت النتيجة :
- 97% من الرؤساء حاصلين على شهادة البكالوريوس على الاقل.
- 64% من الرؤساء حاصلين على شهادة الماجستير او ما يعادلها.
- 10% من الرؤساء حاصلين على شهادة الدكتوراة.
بحث بسيط هنا على مستوى امريكا و اكبر الشركات الامريكية فى امريكا متل جوجل، ميكروسوفت، بيركشاير هاثوى، بانك اف امريكا وابل وامازون وج ب مورجان تشيس وإكسون موبيل وجونسون اند جونسون. جميع من هم بمنصب الرئيس التنفيذي من حملة الماجستير او ما يعادلها او حتى اقل من ذالك. السؤال الذي يطرح نفسه هل او بالاصح لماذا تتجنب الشركات العالمية تنصيب حملة الدكتوراة لمنصب الرئيس التنفيذي؟ حاولت ان ابحث عن اجابة صريحة لهذا السؤال فلم اجد للاسف ولكني وجدت دراسة قام بها
( Matthew Harper, Forbes Staff بتاريخ April 25,2002 تحت عنوان Keep Your CEO out of Grad School)
بحث هذا الكاتب هذه الظاهرة من المردود المالي للمساهمين وبالأخص ناحية (نسبة الوسطية) للمردود على المساهم فى شركات (Forbes 500) (الرابط بالأسفل) باختصار وجد ان العائد لحملة شهادات دون الماجستير هو الأعلى يليه لحملة الماجستير والدكتوراه ثم حملة (MBA) ثم اخيراً اقل نسبة كانت لحملة (JD) والمحامين.انتهى.
احبائي، بلا شك سبب عزوف الشركات الكبرى عن تنصيب حاملي شهادة الدكتوراة ليس الراتب، فراتب الرئيس التنفيذي لاي من هذه الشركات يتجاوز عشرات الملايين سنويا وبعضهم يتجاوز المئة مليون سنويا او اكثر. فى حين ان راتب استاذ متفرغ فى اعرق الجامعات قد لا يتجاوز 150 الف دولار سنويا. رائي الشخصي ان هذه الدراسة الاخيرة لم تجاوب على السؤال بشكل كلي. معظم الشباب العرب او الاردنيين الذين قدر عليهم الله عز وجل العلم والثقافة امثالي سيقولون ولو فى خلدهم ( حامل شهادة الدكتوراة اعلم واكفأ من غيره من حملة الشهادات الأدني او على الاقل أوجه لرئاسة الشركة او المنصب). قد يكون أوجه اذا رغبنا ان تكون الوجاهة هى الهدف للشركة، اما اذا كان الهدف هو الإنجاز او الربح فحامل شهادة الدكتوراة ليس أكفأ من غيره من الشهادات الاخرى لتولي منصب الرئيس التنفيذي للشركة، وهذا ما أثبتته او أظهرته الدراسة السابقة.
اخواني، لم اجد اي بحث يتحدث عن السبب الرئيسي غير العائد المالي يناقش هذه المسالة وقد يكون ذالك لقلة علمي وخبرتي. المعروف ان شهادة الدكتوراة هى تهيئة حاملها للعمل الأكاديمي بالدرجة الاولى، وفى منتصف القرن الماضي اصبح حملة شهادات الدكتوراة يتوجهون الى الأبحاث والعمل كمستشارين وذالك للمردود المالي الأعلى لهذه الوظائف. فى الدول النامية او فى الوطن العربي وللاسف أصبحنا ننظر الى شهادة الدكتوراة كمنزلة اجتماعية وليس كوسيلة للوصول لما هو افضل فى جميع المجالات. فحامل الشهادة (حسب اعتقادنا الخاطئ) المفروض ان يحتل اكبر المراكز سواء فى القطاع الخاص او العام. اعتقادي الشخصي انها احد الأسباب الرئيسية للاوضاع الراهنة التي يمر بها الوطن فى جميع المجالات. الحكومة الامريكية الحالية تضم خمسة عشر وزيرا بالاضافة لنائب الرئيس ولا يحمل أيا منهم شهادة الدكتوراة. قد يتسائل البعض : معقول ما فى دكاترة فى امريكا؟ بالطبع يوجد ففى احد التقارير أكدت ان الجامعات الامريكية أصدرت مائة الف شهادة دكتوارة ما بين عامي ( 2005-2009 ) ولا تزال الجامعات تصدر هذه الشهادة. بلا شك ان للرئاسة والوزراء الامريكان هناك العديد من المستشارين من حملة شهادة الدكتوراة ولكن ليس فى منصب تنفيذي.
اخواني، بلا شك ليس هدف هذه الورقة هو الإنقاص من علم او منزلة حملة شهادة الدكتوراة، فهم اشخاص ذو علم ولا يستطيع اي شخص ان يشكك او ينفي ذالك. هدف هذه الورقة هو وضع الرجل المناسب فى المكان المناسب ومعرفة كيفية استنزاف علمه وخبراته لخدمة المصلحة العامة. هل يعقل ان تستخدم مهندس المدني او المعماري كعامل بناء مثلا؟ او هل يعقل ان نستخدم الطبيب الجراح كجزار؟ حملة شهادة الدكتوراة هم اصحاب نظريات وحلول لمشاكل الشركة والمجتمع، وهذه النظريات او الحلول المقدمة من قبلهم قابلة للجدل حتي بينهم انفسهم. فمثلا هناك من هذه الفئة فى علوم الاجتماع من يناقش فى فوائد ومضار الرأسمالية والشيوعية والاشتراكية، وفى علوم فيزياء ألكمي او النظري نجد ان هناك نظريات كثيرة ونقاش دائم بينهم، حتى فى الاقتصاد فهناك نظريات يشتد حولها النقاش كل منهم ينحاز الى نظرية معينة. فى امريكا مثلا هناك توجهان فى الاقتصاد الاول هو التوجه الجمهوري الذي يدعو الى مساندة الشركات الكبرى لتحقيق اقتصاد جيد وهناك التوجه الديموقراطي الذي يري ان الاقتصاد سيكون افضل اذا تم مساندة الأفراد بالدرجة الاولى. وهذا النقاش دائر ليوميا هذا فيحتج الجمهوريون بان الاقتصاد الامريكي (البورصة بأنواعها) فى وقتنا الحالي قوي وأرباح الشركات اعلى فى حين ان الديموقراطيون يحذرون بان مجمل الدين الفدرالي للدولة نتيجة لهذا النهج الاقتصادي تقريبا الان (21) ترليون دولار (USA Today) والذي زاد ما مقدارك (779 ) بليون دولار خلال السنة الماضية (إبان حكم الجمهوريين) ومتوقع ان يصعد فى نهاية العام المقبل الى ترليون دولار. وهذا بالطبع يعتبر خطر على الاقتصاد.
عندنا فى الاردن مثلا كم رئيس حكومة سابق وحالي من حملة شهادة الدكتوراة؟ وكم وزير او مسؤول تنفيذي يحمل هذه الشهادة؟ قد يقول البعض ان تعيين رئيس الحكومة تم من قبل جلالة الملك حفظه الله، نعم وهذا حق دستوري لجلالته ومعظم المتعلمين والمثقفين يستطيعون ان يخمنو ان الاختيار وقع على الرئيس الحالي (رائي الشخصي الذي قد يشاركني البعض فيه) لعلاقاته الدولية وخبرته فى او مع بعض المؤسسات الدولية والتي للاسف لغاية اليوم هذه الخبرة لم تُثبت فعاليتها. لا اريد ان اشت عن الموضوع الرئيسي ولكن اذا اعتقدت اخي المواطن الاردني اننا فى مرحلة النضوج السياسي والاجتماعي لانتخاب رئيس حكومة، فمع احترامي لرأيك انت تعيش حالة وهم قد تكون عواقبها وخيمة لا سمح الله. معقول ان ارشح او انتخب ابن عمي المزارع او حامل البكلوريوس وأصرف النظر عن ابن عّم أبوي الدكتور؟ لاسف هذا هو تقيمنا الواقعي للأشخاص. والدليل على ذالك انظر الى الأشخاص الذين اُنتخبوا من قبل الشعب، فرائي الشخصي انه يجب علينا ان نوعي الشعب اولا ومن ثم نطالب بحق انتخاب رئيس الحكومة، وقد كتبت وأبديت رائي سابقا فى هذا الموضوع على مدونتي.
المشكلة الرئيسية احبائي ليس على من عين او رشح او انتخب هذا الشخص (حامل شهادة الدكتوراة) لهذا المنصب التنفيذي، المشكلة بالأغلب تقع على الشخص نفسه فهو اولا وأخيرا المسؤول عن أدائه ونهجه، وبنفس الوقت هو (رائي الشخصي) مقتنع بنظرياته ونهجه الاقتصادي كان او الاجتماعي او غيرة وسيعمل ما فى جهده او يستخدم كل الوسائل المطروحة له لاثبات نظريته ونهجه، وعنده القدرة على مجادلتك لسنوات قادمة على صحة نظريته ونهجه. وهذا هو جوهر ما تعلمه خلال تحضيره لشهادة الدكتوراة. احبائي، اخشى ان يكون هذا هو نهج الحكومة الحالية التي يرئسها معالى الدكتور عمر الرزاز والذي من خلال تقيمي المتواضع ورائي الشخصي الذي أضمه لرائ الكثير من الاردنيين انه سيكلف المواطن الاردني اخر قرش فى جيبه، والله اعلم.
احبائي، فى الختام، هذا الموضوع الذي اطرحه (وضع الرجل المناسب فى المكان المناسب) جدير بالبحث خصوصا على مستوى الاردن، فيجب علينا تشجيع مثل هذه الأبحاث وتاثيرها فى المجلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. المضحك المبكي فى الامر ان أكفأ الأشخاص الذين يستطيعون عمل هذه الأبحاث هم من حملة شهادة الدكتوراه او المرشحين لها، وفى معظمهم نراهم لا يحركون ساكنا بانتظار تلك المكالمة التي تفيدهم بتعينهم كمسؤول تنفيذي او وزير او رئيس حكومة. والله من وراء القصد
اللهم احفظ الاردن الغالي وشعبه ومليكه وحكومته ووفقهم لما فيه خير لهم ولوطنهم، اللهم ابعد عنهم كيد الكائدين والمغرضين واجعلها فى نحورهم.
المراجع:
No comments:
Post a Comment